ابن الأثير
34
الكامل في التاريخ
جمع أمراءه واستشارهم : هل يكون المسير محاذاة الفرنج ومقاتلتهم وهم سائرون ، أو يكون في غير الطريق التي سلكوها ؟ فقالوا : لا حاجة بنا إلى احتمال المشقّة في مسايرتهم ، فإنّ الطريق وعر وضيّق ، ولا يتهيأ لنا ما نريده منهم ، والرأي أنّنا نسير في الطريق المهيع ، ونجتمع عليهم عند عكّا ، فنفرّقهم ونمزّقهم . فعلم ميلهم إلى الراحة المعجّلة ، فوافقهم ، وكان رأيه مسايرتهم ومقاتلتهم وهم سائرون ، وقال : إنّ الفرنج إذا نزلوا لصقوا بالأرض ، فلا يتهيّأ لنا إزعاجهم ، ولا نيل الغرض منهم ، والرأي قتالهم قبل الوصول إلى عكّا ، فخالفوه ، فتبعهم ، وساروا على طريق كفر كنّا ، فسبقهم الفرنج ، وكان صلاح الدين قد جعل في مقابل الفرنج جماعة من الأمراء يسايرونهم ، ويناوشونهم القتال ، ويتخطّفونهم ، ولم يقدم الفرنج عليهم مع قلّتهم ، فلو أنّ العساكر اتبعت رأي صلاح الدين في مسايرتهم ومقاتلتهم قبل نزولهم على عكّا ، لكان بلغ غرضه وصدّهم عنها ، ولكن إذا أراد اللَّه أمرا هيّأ أسبابه . ولمّا وصل صلاح الدين إلى عكّا رأى الفرنج قد نزلوا عليها من البحر إلى البحر ، من الجانب الآخر ، ولم يبق للمسلمين إليها طريق ، فنزل صلاح الدين عليهم ، وضرب خيمته على تلّ كيسان ، وامتدّت ميمنته إلى تلّ الغياظيّة « 1 » ، وميسرته إلى النهر الجاري ، ونزلت الأثقال بصفّوريّة ، وسيّر الكتب إلى الأطراف باستدعاء العساكر ، فأتاه عسكر الموصل ، وديار بكر ، وسنجار وغيرها من بلاد الجزيرة ، وأتاه تقي الدين ابن أخيه ، وأتاه مظفّر الدين بن زين الدين ، وهو صاحب حرّان والرّها . وكانت الأمداد تأتي المسلمين في البرّ وتأتي الفرنج في البحر ، وكان بين الفريقين مدّة مقامهم على عكّا حروب كثيرة ما بين صغيرة وكبيرة ، منها اليوم المشهور ، ومنها ما هو دون ذلك ، وأنا أذكر الأيّام الكبار لئلّا يطول
--> ( 1 ) تل العياضية . A